محمد بن جرير الطبري
256
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) } وتأويل " سواءٌ " : معتدل . مأخوذ من التَّساوي ، كقولك : " مُتَساوٍ هذان الأمران عندي " ، و " هما عِندي سَواءٌ " ، أي هما متعادلان عندي ، ومنه قول الله جل ثناؤه : ( فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ ) [ سورة الأنفال : 58 ] ، يعني : أعْلمهم وآذِنْهم بالحرب ، حتى يَستوي علمُك وعلمُهم بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخر . فكذلك قوله " سَواءٌ عليهم " : معتدلٌ عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم ، الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون ( 1 ) ، وقد خَتمتُ على قلوبهم وسمعهم . ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات : تُغِذُّ بيَ الشّهبَاءُ نَحْوَ ابن جَعْفٍر . . . سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا ( 2 ) يعني بذلك : معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ ، لأنه لا فُتُورَ فيه . ومنه قول الآخر ( 3 ) وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِه . . . سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته . وأما قوله : ( أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) ، فإنه ظهرَ به الكلام ظهورَ الاستفهام وهو خبرٌ ; لأنه وَقع مَوقع " أيّ " كما تقول : " لا نُبالي أقمتَ أم
--> ( 1 ) في المطبوعة " كانوا لا يؤمنون " . ( 2 ) ديوانه : 163 ، والكامل للمبرد 1 : 398 ، 399 . يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . أغذ السير وأغذ فيه : أسرع . ورواية ديوانه ، والكامل " تقدت " . وتقدى به بعيره : أسرع على سنن الطريق . والشهباء : فرسه ، للونها الأشهب ، وهو أن يشق سوادها أو كمتتها شعرات بيض حتى تكاد تغلب السواد أو الكمتة . ( 3 ) الشعر لمضرس بن ربعي الفقعسي . حماسة ابن الشجري : 204 .